Business is booming.

رأي … “مراسلون برتبة جواسيس” بقلم .. الإعلامي ياسين كوداش

359

رأي . بقلم ياسين كوداش 

22 أكتوبر، يوم تاريخي صدر فيه أول عدد من جريدة الثورة الأولى ” المقاوم”. وهي كذلك هذه المهنة التي تستوجب المقاومة، مقاومة ذاتية حتي لا ننجذب لسهل الأمور فيها ونصبح سلعة تباع وتشترى كحال كثيرين من ممتهني، حتى لا أقول مهيني، صاحبة الجلالة، في الجلفة وغيرها, ومقاومة خارجية حتى لا تجرفنا الإطراءات ولا التهديدات لتزييف الأمور أو ربما تنميقها، بما يخدم مواقف البعض وجيوب آخرين.
ومنذ مدة أصبحت الصحافة مهنة لمن لم يجد لنفسه محلا من الإعراب في المجتمع، يسترزق منها، يخدم بها، ولكن بعضهم يستخدمها ليبتز بها أو يمارس مهنة لم تكن يوما من مهام الصحفي: الجوسسة.
كثيرون، ما إن تمسك يداه آلة تسجيل أو تصوير أو هاتفا ولربما كاميرا ليس فيه شريط ولا يظهر أثر لما تلتقطه في أي مكان، حتى يعتبر نفسه المهدي المنتظر، هو فقط من يعلم الحقيقة ويمتلكها، هو من يصنع المطر ويُحدث التغيير، يعين ويقيل، بل له حق النظر في كل شيء، فهو يعتبر نفسه “الصحفي”، ويا ليت منتوجه الصحفي يرقى لأدنى درجات العمل الصحفي، وإن تحدثت يقولون ألا تعرف المواطن الصحفي؟
تجنى الكثير، على من خدعوها باسم السلطة الرابعة، بنسب أنفسهم لها وهي منهم براء. يبيعون القضايا، يبتزون من وقع في يدهم ويبيعون كل شيء، حتى أنفسهم أو أصدقائهم أو نديم قهوة تُدفع لهم، ولو كان زميلا أو صديقا. في كل مناسبة أو نشاط رسمي، وخاصة الثالث ماي و 22 أكتوبر تنتفخ قوائم الصحفيين و المراسلين لتبلغ أقصاها، وكل سنة نكتشف أسماء ووجوه لم يسبق رؤيتها أو أنها تأتي لتحيي عيد ميلاد نسبها للصحافة قبل سنة بلا نشاط خلال كل سنة، عدا تدوينات فيسبوكية أو قذف تواصلي، أو بيع لذمة صداقة عابرة بتسجيلات صوتية مركبة تُظهر الحكيم غبيا، و الناصح شيطانا، و المدافع مهاجما، وبعضهم بصورة خاطفة، بخلفية مسؤول أو بجانبه، وبها يبيع ويشتري بلا ذمة ولا ضمير.
وكل يتغنى بأسرة الإعلام.
أي أسرة لا تضامن فيها إلا على الظلم والبيع والشراء؟
أي أسرة يبيع فيها الواحد الآخر بلا مكسب ولا مغنم؟
أي أسرة هذه التي لا يأمن فيها الواحد جانبه من أقرب مقربيه؟ وأي أسرة هذه التي تقبل كل من إدعى أنه منها؟
تعلمنا حيث درسنا الصحافة، أن الصحفي يجب أن يكون حياديا، صادقا، ناقلا للخبر لا مصطنعا له. وتعلمنا أن الصحافة قد تصنع لك مكانة في المجتمع، لكنها لن تحقق لك الثروة.
و تعلمنا من الميدان أنك لن تحسن ما تفعله حتى تؤمن به، وتعطيه من ذاتك. وتعلمنا أن الصحفي ليس كل من حمل كاميرا أو مسجل، أو ورقة وقلم، أو …. هاتفا خلويا، بل الصحفي من عرف الحدث وأعطاه حقه، وأن الصحفي من بلغ مآسي الناس وانشغالاتهم، دون أن يزيد عليها وعليهم. تعلمنا أن نتيجة عملنا أن تظهر الأعمال أولا للعيان، ثم قد تتغير الأوضاع وتأتي النتيجة الملموسة للعمل الصحفي, أما أن تتقاضى الأجرة مرتين من الوظيفة ومن صاحب المأساة فهذا إبتزاز.
العمل الصحفي ليس مبنيا على التسجيلات السرية، وحتى القانون يعاقب عليها، أما أن تستغل ثقة محادثك، وتحرف كلامه أو تصطنعه بالمونتاج، ثم تبيعه بثمن بخس فهذه جوسسة.
الصحافة مقاومة للإغراءات و المصاعب، الصحافة مقاومة للذات، الصحافة ليست مطية لمن هب ودب، الصحافة شرف وأمانة. الصحافة ليست كتابة تحت الطلب لنرفع من شأن فلان و نحط من قيمة فلان، الصحافة ليست قذفا و طعنا في الأعراض، لكن الصحافة فضيلة ونبل وأخلاق. 
22 أكتوبر 1955، كان يوما تاريخيا صنعه رجال ونساء الجزائر الثوريين، فرجاءا، على الأقل لا تتركوا تضحيات أولئك، وشهداء الصحافة في عشرية الدم والنار و الدمار، لا تدعوها تذهب هباءا، أوعلى الأقل لا تساهموا فيها.
كل عام والصحافيون الحقيقيون بخير بألف خير، ولو لم أكن منهم.

       ياسين بن مهدي كوداش

تعليق 1
  1. عبدالرحمان قنشوبة يقول

    هذا ما جعل الصحافة الجزائرية تفقد هيبتها واحترام جمهورها ودورها الذي أصبح يقتصر على التقليد الرتيب في معالجتها لقضايا المجتمع، حيث جاءت في معظمها متشابهة، مما يثبت في أذهان المواطنين أنه لا طائل ولا فائدة من الإعلام…
    إن المراسل الصحفي هو النافذة الأولى لمصدر المعلومة و الأقرب إليها مكانا وزمانا، فهو الوسيط الأول بين الخبر والمؤسسة الإعلامية، ورغم أن بعض المراسلين الصحفيين حرصوا على تقديم عملهم على أكمل وجه و كانت لهم مساهمة في إيصال صور صادقة عن قضايا التنمية المحلية و نقائصها، فإن البعض الآخر (دخلاء على المهنة) يبيعون ضمائرهم و مهنتهم ويمارسون الابتزاز و التهديد على بعض المسؤولين و بعض المنتخبين لقضاء مآرب شخصية.
    على وسائل الإعلام أن لا توظف كل من هب و دب في هذه المهنة و أن تشغل مراسلين يتقنون عملهم و أن تساهم في تكوينهم و تدريبهم واكتساب مهارات المهنة وامتلاك أدواتها الحديثة.
    ولاسترجاع هيبتها، على الصحافة (من خلال صحافييها و مراسليها) أن لا تؤدي دور الندّ الفاضح، ولا تمارس النقد المعارض والهدام، وإنما أن تصغي بتمعّن، وتطرح الأسئلة العميقة والجادة، وتغطي الحدث بشكل موضوعي ودقيق بعيدا عن التهويل و المغالطات والمزايدات والانفعالات و النوايا السيئة و تصفية الحسابات أو تقلّد دور العصا التي تضرب الأعداء تحت الطلب و بالمقابل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.