Business is booming.

الذكرى الثانية لوفاة الأديب الزاهد حميد ناصر خوجة

159

 

الخبر /هنا الجلفة .القسم الثقافي /ياسين .ق 

حينما توفي  ناصر حميد خوجة ورحل  الى الأبد في السابع عشر سبتمبر  2016  شعر الكثيرون من جمهور الأدب والفكر والإبداع في الجزائر أن شيئا عظيما قد خسره المشهد الثقافي وان برحيله انطفأت حزمة من المشاريع  الأدبية التي كان قد أوقد فيها حميد نورا لأجل أن يقدمها للقراء شموعا أخرى تنير اركانا في النفس وتفتح شهية التأمل والسؤال الا أن الموت كان اسرع وكان اقرب من كل اوردة الحياة والابداع والعطاء لتنتهي حياة حميد في السابع عشر سبتمبر من سنة 2016.. 

دخل الاديب ناصر حميد خوجة مبكرا السباق نحو الوصول الى كمال الإنسانية  حيث وهب كل حياته التي عاشها في الغوص في عوالم الأدب والفكر والإبداع رغم دراسته وتخرجه من المدرسة العليا للإدارة التي اختارها من أجل ان يضمن بها لقمة العيش له ولاسرته ويبدأ في ترتيب حياته ويصل الى تحقيق توافق مثالي بين أداءه المهني وبين مشاريعه الأدبية مع اصراره على مواصلة دراساته العليا أين درس بجامعة السوربون بفرنسا ونال شهادة  الماجستير  حول “سيناك والبير  كامو و العلاقة بينهما” لينال بعدها شهادة الدكتوراه من نفس الجامعة عن رسالته حول “سيناك ناقدا ” الذي كان معجبا به حيث خصه بعدد من اصداراته وقام حميد ناصر خوجة في سنة  1999 بجمع كل دواوين سيناك في مجلد واحد كما قدم  أعمال اخرى كثيرة من بينها مؤلف بعنوان “البير كامو -جان سيناك او الابن المتمرد”، إضافة إلى كتاب “وجوه الجزائر .. نظريات في الفن”، و هذا العمل كان  حول الفن التشكيلي و علاقة سيناك به، إلى جانب اسهاماته النقدية في الصحافة و خلال الملتقيات الجامعية  وتقلد ناصر حميد خوجة العديد من المناصب الادارية كرئيس دائرة وملحق بديوان الوالي ومسؤول لخلية الإعلام ليتم تعيينه كعميد لكلية الأداب والعلوم الانسانية بجامعة الجلفة  ويذكر ان ناصر كان محدود الحركة والتنقلات حيث انك لن تراه الا في الجامعة اثناء أداء وظيفته او في مكتبة “اللهب المقدس ” القريبة من بيته يسأل عن كتاب أو يشتري جريدة وكل علاقاته مع الادباء والمفكرين والاعلاميين كانت رائعة ويسودها الاحترام ولم يذكر ابدا انه خاصم احدا أو وصل خلافه مع أي احد الى نقطة اللا رجوع ولم يكن أبدا ليتأخر عن أي دعوة ترسل له للمشاركة في الملتقيات التي كانت تنظم في بعض الولايات  وكان يسافر وليس في جيبه الا ثمن التذكرة ومبلغا زهيدا وتوفي ناصر تاركا وراءه عددا من المشاريع التي بدأ  من بينها ” كتابة مذكراته” وعمل اخر ” التاريخ الأدبي حسب نظرة ناصر خوجة ” اضافة الى شروعه في ترجمة مؤلفاته الى الانجليزية رفقة الدكتور الامريكي  “كاي اليجوا ”  استاذ الأدب الثوري ،و اعمال مشتركة بينه وبين البروفيسور “غي ديغا ” بجامعة مونبولييه 3بفرنسا الذي كان مشرفا على دكتوراه ناصر خوجة  ، كل هذه الأعمال والمشاريع لم ترى النور بعد أن إفتك المرض بناصر خوجة أين  تم استئصال احدى كليته سنة 2006 ويصاب سنة 2008 بضعف في عضلة القلب ويستقر السرطان سنة 2015 بجسده أين تمكن منه وفارق الحياة .

الشاعر سليمان جوادي : على وزارتي الثقافة والتعليم العالي التحرك لحماية مكتبة ناصر خوجة

تمتد علاقتي بالدكتور حميد ناصر خوجة إلى أكثر من ثلاثة عقود،و استمرت هذه العلاقة وتوطدت أكثر لما عُينت سنة 1995 مديرا للثقافة بولاية الجلفة حيث كان ناصر خوجة ملحقا بديوان الوالي وقد كان من بين الذين ساندوني وآزروني و شجعوني في مهامي وأسهموا معي في تفعيل الحركة الثقافية وخاصة في النشاطات ذات الطابع اﻷدبي أو الفكري حيث كان يقترح عليّ إقامة بعض الندوات و الملتقيات التي ﻻ تتطلب تكاليف مادية ولكنّها أخذت صدى طيبا في ما بعد مثل الاحتفالية التي أقمناها بمناسبة المئوية اﻷولى للسينما أو تأبينية الأديب الباحث الجزائري المغترب رابح بلعمري الذي كان صديقنا المشترك وفي هاتين التظاهرتين اعتمدنا اعتمادا كليا على أرشيف ومكتبة ناصر خوجة هذا المثقف النادر المثال المتفتح على كلّ الثقافات والصديق لكلّ الأدباء الجزائريين سواء الذين يكتبون بالفرنسية أو بالعربية أو أولئك الذين ينظمون و يؤلفون باللهجة العامية، لذا نال احترام الجميع، كيف ﻻ وهو الرجل المتواضع الذي ﻻ يبخل أبدا بتزويد الباحثين والطلبة بما لديه من أفكار وما تختزنه ذاكرته من معلومات وما تعج به مكتبته من أرشيف .. أسسنا معا جمعية حضور الثقافية التي أصدرت مجلة تحمل نفس الاسم هذه الجمعية التي ضمت مجموعة من الأدباء مثل الناقد قلولي بن سعد و الأستاذ هزرشي عبدالباقي و الدكتور محمد الطيب قويدري و غيرهمو على ذكر مكتبة ناصر خوجة، أقترح على الدولة ممثلة في وزارة الثقافة أو وزارة التعليم العالي بالاتفاق مع عائلته أن تسعى إلى وضعها في متناول الباحثين وأنا أقول عن معرفة ودراية خاصة وأنّها مرتبة ترتيبا محكما ساعده في ذلك تكوينه اﻹداري.. كانت شقته في نفس حي مقر مديرية الثقافة لهذا كثيرا ما كان يمر على مكتبي قبل الذهاب إلى عمله فأسعد وأستفيد كثيرا من الدردشة مع هذا الرجل العالم الزاهد الذي عوّد نفسه منذ صغره على صوم يومي الاثنين والخميس. أذكر أيضا لما تحوّلت إلى ولاية الطارف وبدأت التفكير في إقامة ملتقى فرانتز فانون استفدت من معلوماته واستقدمت بعض الأسماء التي اقترحها عليّكنت أغبطه كثيرا على أمرين اثنين ذاكرته الوقادة و تحكمه في الوقت إذ لم تحل التزاماته العائلية و لا واجباته الدينية حيث كان كما أسلفت زاهدا متعبدا و لا وظيفته في إدارة ولاية الجلفة ثم في الجامعة قلت لم تحل بينه و بين إتمام رسالتي الماجستير والدكتوراه حيث كان منضبطا و منظما و باحثا مدققا نادر المثال … رسالتان أثبت من خلالهما عمق علاقته ومدى وفائه لرفيق دربه الشاعر الجزائري الراحل جون سيناك.

الدكتور محمد الطيب قويدري حميد ناصر كان أديبا متصوفا وزاهدا .

من الصعب التعبير عن رأي يكون موضوعه الأديب الدكتور حميد ناصر خوجة. لقد عرفته إداريا ملحقا بديوان الوالي وفوجئت آنذاك بحرصه القوي على التوثيق، كان يقتصد الكميات الكبيرة من الوثائق الإدارية التي استنفدت صلاحياتها لكتابة مواد بحوثه على ظهرها، ثم عرفت أنه كان رئيس دائرة سيء الحظ، لأكتشف مع الوقت أنه جمع مواهب ومهارات أضافها إلى شخصية الباحث الأدبي الرصينة. كان يخفي بين ثنايا تواضعه الجم معالم المؤمن المتصوف الزاهد، يصوم الاثنين والخميس طوال الوقت، ويعمل بتفان، وصدق نادرين. لقد كانت الصدفة وحدها وراء حظوظ طلبة الجامعة بعد أن أنهى بحوثه بجامعة السربون التي استغرقت عمره، فساعد على إطلاق دائرة اللغة العربية وآدابها بالجلفة، ثم دائرة اللغة الفرنسية بها، وكان المختص رقم واحد بكل ما يدور حول جون سيناك وأعماله الشعرية، وفي الوقت الذي عمل مرؤوسا بالإدارة لمجهولين، كان اسمه يلمع في الموسوعات العالمية. وكذلك هو حال الأديب في بلادنا.

الروائي اسماعيل ايبرير : حميد ناصر منح الكثيرين الحق في الحلم  

ناصر خوجة لم يكن ناقدا، وليس شاعرا مميّزا، ولم يكن مؤطّرا جامعيّا استنائيّا، ولا موسوعة معرفيّة، بل كان كلّ ذلك ممزوجا مع طفولة وتصوّف سريّين، كان خوجة رجلا يرفض ادانة النّاس، ينحاز الى الابداع والحريّة، وعاش اوسع من المكان بأفكاره، نجح دائما أن يكون في فلك المعرفيّ والابداعيّ، ساعد الكثير من الذين حوله، ومنحهم الحقّ في الحلم وتجديد المفاهيم، غادرنا ملفوفا بكثير من الأسرار والغموض، فالذي ايداه لنا هو رأس الجبل الجليديّ، وأكثر ما يشرحه هو شعره، هذا الشعر هو انعكاس لناصر وأسئلته، شرح لمفهومه للحياة والحبّ والعالم والآخر، خوجة اختار التواضع ورفض ان يصدّر صورة متعالية، رغم انّه حاز الادوات التي تمنحه ذلك، وحين ترجّل لم يكن يريد من الحياة الا السّلام، في أثناء مرضه كان يطلب منّا أن نتقدّم أكثر وأن ندفع بأدبنا للواجهة، ودعانا للكفّ عن التردّد والصّمت، كنّا نخطّط لموضوع مطوّل عن الرواية الجديدة وملامحها، تناقشنا ولم يكن يعير مرضه اهتماما مقابل أحلام صغيرة مكثّفة تليق بمغادرة الحياة .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.