Business is booming.

القسم الثقافي : عيسى قارف يكتب عن النص وعزوف القارئ

666

هنا الجلفة /- عيسى قارف

 

indexمن المؤسف أن الدهشة التي يثيرها النص أو اللوحة الفنية لم تعد جزء من قصدية الخطاب ،بل طغى نوع من الظرفية على النصوص شبه الموجهة والمؤدلجة غالبا ، فقد يصرح الشعراء قريبا في نداء الى الحبيبات والجميلات :عذرا انتظرننا ، نلتقي بعد الخراب العربي وتحرير فلسطين، ونلتقي بعد أفول المآسي القومية.

هنا لا نلغي الدور الاجتماعي على الأقل من جهة تطور اللغة داخل الجماعات أو التنشئة الأرطفونية للتداول اللفظي أو الحدث التاريخي كذاكرة قابلة للتمثل الإبداعي ،لكننا نشير بيأس الى ضرورة عدم الرجوع لنقطة بعيدة جدا تتعلق بتبعية الأدب للراهن السياسي والظرفي ولا للديني  ،رغم ما يعلق بكل الفنون من هذا وذاك ، إلا أن النص مقارباتيا يظل منفصلا عن مرجعه ،بل قد نذهب في أكثر الاحيان الى اعتباره ” لا يتحدث عن خارجه – مرجعه – بل لا يتحدث عن نفسه ….”  ،وهو ما تتبناه نظرية التناص ومجمل النقد البنيوي خصوصا في مصطلحات من قبيل ” الإطار المرجعي ” الذي تحصره في حدود النص المقروء وهي آلية لإلغاء صدى ” الباث ” في الأثر الأدبي المقروء وهذا الأخير لا نعرف عنه شيئا ” إنما تجربتنا في القراءة هي التي تحدثنا عنه ”

عزوف القارئ

 

ن2لعل الدهشة التي يتركها الأثر الأدبي لدى المتلقين لمختلف الأخطبة ضمن الأنواع الأدبية هي صلب مفهوم الشعرية إذا تجاوزنا المفهوم المسطح للملكات التبليغية التي يتكفل بها عادة الخطاب في المستويات التواصلية الدنيا ،إنما نشير رأسا الى الأسلوب ،فسرعان ما تذوب النصوص التقريرية ولا يعلق منها بالذاكرة إلا الحدث كأثر تاريخي قابل بدوره للتلاشي والغموض مع الوقت .

لكن هل هذا وحده ما يبرر ظاهرة العزوف التي تميز المقروئية في الراهن الثقافي العربي ؟

لعل الأثر الأدبي لا يخفي حاجته الى التبسيط غير المخل مع ما أمكن من التحديث والمواكبة والمثلنة  ليضمن الانتشار الأفقي والعمودي ، أي ليس فقط الانتشار القرائي المحايث بل الانتشار في الزمن وعبره

كما تأتينا – مثلا – نصوص المعري اليوم وكأنها كتبت الساعة .

إن العلاقة مع قارئ اليوم أصبحت تؤطرها معايير متباينة تهيمن عليها سياقات متحكمة منها اختلاف النظرة إلى الأثر الأدبي باختلاف ثقافات المتلقي وجذور صناعة الذوق لديه ،والتي تخضع غالبا لتحصيله المجتمعي والدراسي وتكوينه النفسي وميولاته الفنية ،كما أصبحت تتحكم في هذه العلاقة أيضا المؤسسات والسياسات ،كمؤسسات النشر وإشهار المنتج الأدبي والكتاب مما يخلق أفق انتظار جديد ،وتتحكم بشكل آخر سياسات الدولة في التربية والتعليم ، أي مصنع إنتاج قارئ المستقبل ، دون أن نغفل المقررات الجامعية ، وكلها تتلاحم لتشكيل الذائقة والتوجهات مما يؤثر في خيارات القراءة أو يشجع على العزوف في حال فشل الجهات المشار اليها كشريك .

الكاتب / الباث :

ن1تظل أسئلة الإستهلال معلقة يتكفل بالإجابة عنها جيل جديد من الكتاب والنقاد ، وهذا مرورا بالسؤال الأكثر مرارة : لماذا لا نشد قراءنا كما فعل الكتاب الأوائل في عالمنا العربي ، وهل ما نحن فيه من سهولة النشر الورقي والإلكتروني وغياب لجان القراءة نعمة أم نقمة ؟

يجب أن نعترف أننا في الراهن لا نقصد باثا واحدا للخطاب بل نتحدث عن آلة صناعة البث التي أصبح الكاتب مجرد جزء منها ، فالترويج للعمل الادبي الذي تتكفل به مؤسسات بعينها ، يجعل من انحيازية القارئ لعمل دون آخر أمرا مسلما به ،ليس فقط من خلال أحكامه القيمية والذوقية حول الأثرلما بعد القراءة،ولكن قبل معاينة المنجز الأدبي ، أي مرحلة القرار التي تتحكم فيها عوامل أخرى تجعل من القارئ شبه محتجز الى غاية تذويب الفضول باقتناء الكتاب ، ثم تبدأ مرحلة أخرى تشكل لقاء مباشرا بين الباث الحقيقي والمتلقي ،ثم تنحصر أكثر بإلغاء وجود الباث ،فتصبح العلاقة بين النص والقارئ (القارئ هنا كصدى لتشكل الذائقة وللقراءات والمحمول المعرفي والميولات السابقة  )

ولكشف هذه العلاقة بين الكاتب والقارئ وبين الكاتب / الباث ،والنص ، نورد شهادة لمبدع كبير حول نظرة المبدعين الشباب للكتابة من خلال ممارستهم لها حيث يطرح ” الطاهر وطار” في هذه الشهادة استسهال الكتاب الشباب لمختلف الأجناس الأدبية وتسرعهم في إخراج نصوصهم طلبا للشهرة والمجد الأدبي المبكر ، وهي شهادة  تبدو  جديرة بالنظر المتأني خصوصا في أيامنا هذه ،وبالأخص ونحن نتكلم عن الإبداع الحقيقي الذي من شأنه خلق علاقة مباشرة مع القارئ،  يقول :

” صار كل من يقرأ اللغة العربية ويكتب بها إما شاعرا وإما قاصا …..يالها من سهولة في امتلاك أدوات التعبير الفني .

والقصة تدرجت من النسيج الحياتي الكامل القائم على الإدراك والوعي إلى المواضيع الإنشائية إلى حكايات الجدات المصاغة بأساليب صحفية.

وبقدر ما نجد جيوشا من الشعراء والشاعرات ،نجد جيوشا من القاصين والقاصات ، وقلما نجد شعرا حقيقيا ، وقلما نجد قصة حقيقية ..”5

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هوامش:

 

  • صمويل كوليردج ،نقلا عن: قضايا النقد الأدبي ،د.محمد زكي عشماوي،دار النهضة العربية ،بيروت 1979،ص:62
  • شكري عزيز الماضي، في نظرية الأدب، دار المنتخب العربي،ط1،بيروت ،1993،ص:6
  • د.محمد مفتاح ،مجهول البيان ،دار توبقال ،ط1،

1990،ص: 102.

  • نفسه،ص:102
  • شهادة : الطاهر وطار /ملتقى القصة والرواية في الخليج،فيفري 93

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.